كيف يصنع مهرجان الأردن لأفلام الأطفال جيلاً عاشقاً للسينما؟

27/08/2025
Image
HRH Jalila bin Ali @ JCFF25
Author
إسراء الردايدة

انطلق مهرجان الأردن لأفلام الأطفال عام 2022 كمنصة سنوية تهدف إلى غرس حب السينما في نفوس الصغار وتحفيز خيالهم. يعدّ المهرجان الأول من نوعه في المملكة الأردنية الهاشمية، بل ومن المهرجانات القليلة على مستوى المنطقة التي تقدم محتوى سينمائيًا خاصًا للأطفال. جاء تأسيس المهرجان بمبادرة من الهيئة الملكية الأردنية للأفلام إدراكًا لأهمية صناعة الأفلام وتأثيرها على الأفراد منذ سن مبكرة، وسعيًا لتقديم تجربة مختلفة عما يراه الأطفال على شاشات التلفزيون أو المنصات الرقمية، ضمن أجواء تفاعلية تجمعهم بأقرانهم. يركّز المهرجان على الأفلام العائلية وأفلام الأطفال الطويلة والقصيرة، بما فيها الرسوم المتحركة والأفلام الروائية المناسبة للفئات العمرية الصغيرة (فوق 6 أو 10 سنوات بحسب المحتوى) وقد حرص المنظمون منذ الدورة الأولى على أن يصاحب العروض نقاشات بعد كل فيلم يشارك فيها اختصاصيون، بهدف تشجيع الأطفال على التحليل والنقد وتبادل الآراء حول ما يشاهدونه. كذلك يتضمن المهرجان أنشطة موازية كورش العمل التفاعلية التي تعرف الصغار على أساسيات صناعة الأفلام مثل الرسم القصصي والماكياج السينمائي وتقنيات تحريك الدمى وتصميم شخصيات الرسوم المتحركة. كل ذلك يجعل المهرجان تجربة ثقافية شاملة تمزج بين الترفيه والتعليم للصغار عبر عالم السينما.

تطور المهرجان عبر الدورات

منذ انطلاقه في 2022، شهد المهرجان نموا مطّردًا من حيث حجم المشاركة وعدد الأفلام المعروضة وتنوعها.

الدورة الأولى (2022) – أقيمت في الفترة 24 إلى 27 تشرين الثاني (نوفمبر) 2022 في مسرح الرينبو بجبل عمان. استمرت 4 أيام وشهدت عرض 18 فيلمًا من أحدث الإنتاجات العربية والأجنبية الموجهة للأطفال، شملت 4 أفلام روائية طويلة عائلية من هولندا وألمانيا وليتوانيا وإيرلندا، و14 فيلما قصيرا منها 6 أفلام أردنية، من عدة دول بينها ومصر والعراق وقطر والجزائر وكندا ومالطا وجورجيا.

تميزت هذه الدورة بكونها البداية الأولى من نوعها، وقد جرى خلالها استحداث لجنتي تحكيم إحداهما من المهنيين في صناعة السينما والتربية والأخرى من الأطفال أنفسهم، لمنح الصغار فرصة تقييم الأفلام، كما تضمّنت عرضًا خاصًا خارج المسابقة لحلقة جديدة من برنامج الأطفال الأردني الشهير "أهلاً سمسم" مع استعراض تفاعلي لشخصياته المحبوبة.

وشهدت في الدورة الثانية (2023) –والتي أقيمت في 24 إلى 28 تشرين الثاني (نوفمبر) 2023 على مسرح سينما الرينبو بعمان واستمرت 5 أيام، نقلة نوعية بمشاركة 19 فيلما ما بين طويل وقصير وتحريكي، تم اختيارها من أصل 70 فيلمًا تقدم للمهرجان، من بينها 7 أفلام أردنية.

وتضمنت العروض 7 أفلام طويلة من الأردن وهولندا وبلغاريا وألمانيا والصين وسلوفاكيا وغيرها، و12 فيلمًا قصيرًا من الأردن ومصر واليمن والمغرب والجزائر وفرنسا وروسيا. افتُتحت الدورة بالعرض الأول في الأردن للفيلم الروائي التحريكي الأردني "سليم"، أول فيلم روائي أردني تحريكي طويل. وتم تكريم فريق عمله خلال حفل الافتتاح تقديرًا لهذا الإنجاز المحلي. عكست هذه الدورة اهتمام المهرجان بإبراز الأعمال الأردنية الموجهة للأطفال ودعم صانعيها، إذ كانت المرة الأولى التي يُعرض فيها فيلم أردني طويل ضمن البرنامج.

كما شهد حفل الافتتاح تكريم صُنّاع الأفلام المشاركة وعُقدت ندوة متخصصة حول أهمية إقامة مهرجانات تخاطب الأطفال وتهتم بمحتوى الأفلام الموجهة لهم، وشملت فعاليات متنوعة جمعت بين نقاشات بعد العروض وورش العمل التدريبية (مثل ورشة صناعة الدُمى المتحركة وورشة تصميم شخصيات الرسوم) إلى جانب وجود لجنة تحكيم موازية من الأطفال جنبًا إلى جنب مع لجنة المحترفين.

أما الدورة الثالثة (2024) – فجاءت هذه النسخة خلال العطلة الصيفية، حيث أقيمت فعالياتها في 5 إلى 8 آب (أغسطس) 2024 في متحف الأطفال بحدائق الحسين.

وعلى مدى 4 أيام مكثفة تضمنت عرض 20 فيلماً مخصصًا للأطفال؛ منها 6 أفلام طويلة و14 فيلماً قصيراً، من بينها 9 أفلام أردنية.

وكالمعتاد تبعت كل عرض نقاشات تفاعلية بحضور مختصين لإثراء تجربة الأطفال الحاضرين. تميزت هذه الدورة بتعاون المهرجان مع متحف الأطفال لتقديم تجربة ثقافية موجهة فعليًا لجمهور الصغار في فضاء ملائم، مما عزز أجواء التفاعل والمتعة التعليمية.

وفي الدورة الرابعة (2025) – أقيمت من 15 إلى 20 آب (أغسطس) 2025 حملت الفعاليات وبزخم أكبر على مدار 6 أيام متتالية شهدت هذه الدورة توسعاُ ملحوظاً في حجم المشاركات، حيث تقدم لها 133 فيلماً من الأردن والدول العربية ودول أجنبية للمنافسة، اختير منها 27 فيلماً بين طويل وقصير للعرض خلال المهرجان.

وشملت العروض 9 أفلام روائية طويلة من بينها 4 أفلام دخلت المنافسة الرسمية على جوائز المهرجان، إلى جانب 18 فيلمًا قصيراً، تنافست على جوائز أفضل فيلم قصير تميزت هذه النسخة بمشاركة واضحة للأفلام الأردنية، إذ ضم البرنامج 4 أفلام أردنية بين الطويلة والقصيرة، مما يؤكد استمرار المهرجان في تسليط الضوء على الإبداعات السينمائية المحلية الموجهة للأطفال. أقيمت العروض في صالات تاج سينما بالعاصمة وكذلك في المسرح الخارجي لمقر الهيئة الملكية للأفلام بجبل عمان، مع توسع المهرجان لتشمل عروضه بعض محافظات المملكة وليس فقط في عمان.

كما شملت فعاليات الدورة الرابعة نقاشات تلي العروض يديرها مختصون، مما أتاح للأطفال فرصة الحوار والتفاعل مع صناع الأفلام والخبراء بشكل مباشر.

مهرجان يجمع المحلي بالعالمي

من السمات البارزة لمهرجان الأردن لأفلام الأطفال أنه يوفّر للأطفال نافذة على ثقافات وتجارب من مختلف أنحاء العالم، وفي الوقت نفسه يُبرز الإنتاج الأردني والعربي المخصص للصغار. فقد شهدت دوراته مشاركة أفلام من دول متعددة تشمل أوروبا وآسيا وأميركا الشمالية إلى جانب البلدان العربية، مما أتاح للجمهور الصغير التعرّف على عوالم وقصص متنوعة. فعلى سبيل المثال، في الدورات الأولى عُرضت أفلام من دول أوروبية مثل هولندا وألمانيا وبلغاريا وإيرلندا وليتوانيا، وأخرى من آسيا كالصين، وأميركا الشمالية (كندا)، فضلاً عن مشاركات من دول عربية كسوريا ومصر والعراق واليمن وتونس والمغرب والجزائر وقطر وغيرها. هذه التوليفة العالمية من الأفلام تعني أن الطفل الأردني بات بمقدوره السفر بخياله عبر الشاشة إلى بيئات وثقافات مختلفة، مما يوسع مداركه ويرسخ لديه قيم التنوع والتفاهم.

وفي الوقت عينه، حرص المهرجان في كل دورة على حضور الأفلام الأردنية في برامجه. فقد تضمن برنامج الدورة الأولى أفلامًا قصيرة أردنية ضمن العروض الـ 14 القصيرة، وشهدت الدورة الثانية الظهور الأول لفيلم أردني طويل ("سليم") في المنافسة واستمرت المشاركات المحلية في الدورتين الثالثة والرابعة بشكل ملحوظ. في الدورة الرابعة الأخيرة مثّل الأردن 4 أفلام مشاركة بين الروائية والتحريكية، وهو حضور قوي يعكس تطور صناعة أفلام الأطفال محليًا. إن تخصيص مساحة للأعمال الأردنية يحقق هدفين؛ أولهما تحفيز صناع الأفلام في الأردن على إنتاج محتوى عالي الجودة للأطفال مع ضمان وجود منصة تعرض أعمالهم للجمهور، وثانيهما إظهار الهوية الثقافية الأردنية وقصص البيئة المحلية بشكل يصل للأطفال سواء داخل الوطن أو القادمين من ثقافات أخرى ضمن جمهور المهرجان. بذلك يشكل المهرجان حاضنة حقيقية للإبداع الأردني في مجال سينما الطفل ويعطيه بُعدًا دوليًا عبر الاحتكاك بالأعمال العالمية.

دور المهرجان في تثقيف الأطفال سينمائيًا

لا يقتصر المهرجان على عروض الأفلام فحسب، بل يتعدى ذلك ليؤدي دورًا تربوياُ وثقافياً مهماً في تنشئة الجيل القادم على تقدير الفن السينمائي. من خلال جلسات النقاش عقب كل عرض، يتعلم الأطفال كيفية التعبير عن آرائهم فيما شاهدوه وينمّون قدراتهم على النقد البناء والتحليل مع هذه الحوارات التفاعلية، التي يشارك فيها مخرجون وخبراء، تكسر الحاجز التقليدي بين الطفل والشاشة، وتحول المشاهدة من فعل ترفيهي بحت إلى تجربة تعلمية تثقيفية. يصبح الطفل مشاركًا فعّالاً في الحدث السينمائي، فيكتسب مهارات التواصل واحترام الرأي الآخر عند الاستماع إلى وجهات نظر أقرانه حول الفيلم.

علاوة على ذلك، وفّرت ورش العمل المرافقة للمهرجان فرصة ثمينة للصغار للتعرّف على أسرار الصناعة السينمائية. تعلم الأطفال في الدورات المختلفة كيف يصنعون الدمى ويحركونها في إطار الفن المسرحي والسينمائي، وكيف تُرسم شخصيات الرسوم المتحركة وتُبتكر، وأساسيات الخدع البصرية والماكياج السينمائي وغيرها. مثل هذه الأنشطة التطبيقية تنمّي الحس الفني والإبداعي لدى الأطفال، بل وقد تلهم البعض منهم ليسلك مستقبلاً درب صناعة الأفلام أو الفنون المرتبطة بها. إن إشراك الأطفال فعليًا في عملية صناعة الفيلم (ولو على نحو مبسط وتجريبي) يمنحهم تقديراً أعمق للجهد الإبداعي خلف الشاشة، ويعزز فهمهم للرسائل والقيم التي تحملها الأفلام.

جانب آخر فريد تبناه المهرجان هو تشكيل لجنة تحكيم من الأطفال إلى جانب لجنة المحترفين هذا الأمر أضفى بعدًا ديمقراطيًا وتشاركيًا، إذ أتاح للأطفال أنفسهم أن يكونوا حكامًا يختارون الأعمال الفائزة من منظورهم. مشاركة الأطفال بالتحكيم والتصويت (عبر جائزة تصويت الجمهور لأفضل فيلم طويل مثلًا) تجعلهم يشعرون بقيمة رأيهم وبأن صوتهم مسموع ومؤثر، كما أن مشاهدة الأفلام الفائزة التي اختارها أقرانهم تعلّمهم تقدير المعايير الفنية والجمالية في الأعمال السينمائية الموجهة لهم.

الترفيه والمعرفة عبر السينما

لا شك أن التجربة السينمائية التي يقدمها المهرجان تحمل قيمة ترفيهية عالية للأطفال؛ فمشاهدة أفلام رسوم متحركة ممتعة أو مغامرات شيقة على شاشة كبيرة وفي جو احتفالي بين جمهور من الأصدقاء والعائلة هي ذكرى تبقى راسخة في أذهان الصغار. المهرجان وفر للأطفال مساحة مختلفة عن المعتاد، بعيدًا عن المشاهدة الفردية على الأجهزة اللوحية أو التلفزيون، إلى تجربة جماعية تضاعف من المتعة وتخلق مجتمعًا صغيرًا من عشاق السينما الناشئين.

إلى جانب ذلك، يلعب المهرجان دورا ُفي ترسيخ الثقافة السينمائية لدى المجتمع على المدى الطويل. فحين يكبر هؤلاء الأطفال الذين خاضوا هذه التجربة، سيكونون أكثر وعياُ بالدور الذي يمكن أن تلعبه السينما في الحياة الثقافية. قد يصبح بعضهم صناع أفلام أو نقادًا أو على الأقل جمهوراُ واعياُ يقدّر جودة المحتوى. إن تأسيس مهرجان متخصص لأفلام الأطفال يشكل استثماراً في تكوين جيل يتذوق الفنون البصرية ويستطيع التمييز بين الغث والسمين فيما يقدم له عبر الشاشات. وهو أيضًا رسالة لأصحاب القرار وصناع المحتوى بأن هذا اللون من الفنون خاصّة بالصغار يستحق الدعم والاهتمام.

مهرجان رائد لمستقبل مشرق

في غضون أربع سنوات فقط، أثبت مهرجان الأردن لأفلام الأطفال مكانته كفعالية رائدة في المشهد الثقافي الأردني والعربي. فهو ليس مجرد حدث ترفيهي عابر، بل مشروع ثقافي وتربوي متكامل يزرع بذور الشغف بالسينما في نفوس الأطفال. ومع كل دورة جديدة تتسع قاعدة المشاركين والجمهور، وتتعمق التجربة وتزداد ثراءً سواء من حيث تنوع الأفلام أو جودة الأنشطة الموازية. إن استمرار المهرجان سنويًا وزيادة عدد الأفلام المتقدمة للمشاركة (من 70 فيلماً في 2023 إلى 133 فيلماُ في 2025) مؤشر واضح على نجاحه وتصاعد الاهتمام به. هذا النجاح لم يكن ليتحقق لولا الرؤية التي انطلق منها المهرجان متمثلة في التركيز على الطفل باعتباره جمهوراً متعطشاً لمحتوى سينمائي خاص به يرتقي بوعيه ويمنحه الفرح والمعرفة.

ومع اختتام الدورة الرابعة عام 2025، تتجه الأنظار إلى المستقبل. من المتوقع أن يستمر هذا المهرجان في النمو، ربما يشهد شراكات دولية أكبر أو يمتد ليشمل مزيدًا من المحافظات ليصل لكل طفل أردني مهما كان موقعه. والأهم أنه رسّخ سابقة إيجابية في الأردن تمثلت في تخصيص مهرجان سينمائي للأطفال، مما قد يشجع مؤسسات ثقافية أخرى على تبني مبادرات مشابهة.

وفي ظل عالم باتت فيه الثقافة البصرية لغة عالمية مشتركة، فإن إعداد الأطفال في الأردن للانخراط في هذه اللغة بشكل إيجابي وواعٍ هو مهمة جليلة تصدى لها هذا المهرجان بنجاح. وسيظل مهرجان الأردن لأفلام الأطفال قصة ملهمة في كيفية توظيف الفن السابع كجسر تواصل وتعليم وترفيه بين الأجيال، نحو مستقبل أكثر إشراقًا يغرس فيه حب السينما في قلوب الصغار ليكبر معهم.

 

إسراء الردايدة
صحافية سينمائية وكاتبة ومحررة SEO في جريدة الغد والجوردان نيوز.